فخر الدين الرازي

204

تفسير الرازي

الحسن : والله ما نصر معاوية على علي عليه السلام إلا بقول الله تعالى : * ( ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً ) * والله أعلم . قوله تعالى * ( وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً ) * اعلم أن هذا هو النوع الثالث من الأشياء التي نهى الله عنها في هذه الآيات . اعلم أنا ذكرنا أن الزنا يوجب اختلاط الأنساب . وذلك يوجب منع الاهتمام بتربية الأولاد وذلك يوجب انقطاع النسل ، وذلك يوجب المنع من دخول الناس في الوجود ، وأما القتل فهو عبارة عن إعدام الناس بعد دخولهم في الوجود ، فثبت أن النهي عن الزنا والنهي عن القتل يرجع حاصله إلى النهي عن إتلاف النفوس ، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بالنهي عن إتلاف الأموال ، لأن أعز الأشياء بعد النفوس الأموال ، وأحق الناس بالنهي عن إتلاف أموالهم هو اليتيم ، لأنه لصغره وضعفه وكمال عجزه يعظم ضرره بإتلاف ماله ، فلهذا السبب خصهم الله تعالى بالنهي عن إتلاف أموالهم فقال : * ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) * ونظيره قوله تعالى : * ( ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف ) * ( النساء : 6 ) وفي تفسير قوله : * ( إلا بالتي هي أحسن ) * وجهان : الأول : إلا بالتصرف الذي ينميه ويكثره . الثاني : المراد هو أن تأكل معه إذا احتجت إليه ، وروى مجاهد عن ابن عباس قال : إذا احتاج أكل بالمعروف فإذا أيسر قضاه ، فإن لم يوسر فلا شيء عليه . واعلم أن الولي إنما تبقى ولايته على اليتيم إلى أن يبلغ أشده وهو بلوغ النكاح ، كما بينه الله تعالى في آية أخرى وهو قوله : * ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ) * ( النساء : 6 ) والمراد بالأشد بلوغه إلى حيث يمكنه بسبب عقله ورشده القيام بمصالح ماله ، وعند ذلك تزول ولاية غيره عنه وذلك حد البلوغ ، فأما إذا بلغ غير كامل العقل لم تزل الولاية عنه والله أعلم . وبلوغ العقل هو أن يكمل عقله وقواه الحسية والحركية والله أعلم .